أخبارمقالات

الدستور بين قدسيّة النص وإرادة الشعب: “”النائب احمد جدو ولد الزين””

*الدستور بين قدسيّة النص وإرادة الشعب: قراءة في مشروعية التعديل وحدود السلطة.*
الأصالة:  في أي دولة حديثة، يشكل الدستور حجر الأساس للنظام السياسي، فهو الوثيقة العليا التي تحدد شكل الدولة، وتنظم السلطات، وتضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم. ومن هذا المنطلق، فإن احترام الدستور ليس خيارًا سياسيًا ولا موقفًا ظرفيًا، بل هو التزام قانوني وأخلاقي يعبّر عن جوهر الدولة القانونية. غير أن احترام الدستور لا يعني *تجميده أو تحويله إلى نص مقدس خارج التاريخ*، كما أن *تعديله لا يعني بالضرورة المساس باستقرار الدولة*. بين هذين الحدين، تتحدد معادلة الشرعية الديمقراطية.
*أولاً: خرق الدستور تهديد لأساس الدولة.*
مبدأ سمو الدستور هو أحد أهم المبادئ في الفقه الدستوري المعاصر. فكل القوانين والقرارات والمؤسسات تستمد مشروعيتها منه. وعندما يتم خرق الدستور، سواء بتجاوز نصوصه أو تعطيل أحكامه أو الالتفاف عليها، فإن ذلك يفتح الباب أمام انهيار مبدأ سيادة القانون.
خرق الدستور لا يُضعف نصًا قانونيًا فحسب، بل يزعزع الثقة العامة في الدولة ومؤسساتها. فإذا كان الدستور يُنتهك من قبل من يفترض بهم حمايته، فما الذي يبقى من فكرة الشرعية؟ لذلك فإن التأكيد على عدم جواز خرق الدستور هو دفاع عن الدولة نفسها، وعن استقرارها، وعن مبدأ المشروعية الذي يحمي الجميع.
*ثانياً: تعديل الدستور حق سيادي للشعب.*
في المقابل، لا يمكن النظر إلى الدستور باعتباره نصًا جامدًا صالحًا لكل زمان ومكان دون مراجعة. المجتمعات تتغير، والتحديات تتطور، والأنظمة الإدارية والاقتصادية تعرف تحولات عميقة. لذلك تنص أغلب الدساتير في العالم على آليات واضحة لتعديلها، سواء عبر أغلبية برلمانية معززة أو عبر استفتاء شعبي مباشر.
*الشعب هو صاحب السيادة،* وهو ما يُعرف في النظرية الدستورية *بـ”السلطة التأسيسية الأصلية”*. فإذا كان هو من يمنح الشرعية للنظام السياسي، *فمن حقه أن يعيد النظر في قواعده متى رأى ضرورة لذلك*، شريطة أن يتم ذلك وفق إجراءات قانونية شفافة.
*منع الشعب من التعبير عن إرادته* في تعديل دستوره، إذا تم خارج الإطار القانوني أو بدوافع سياسية ضيقة، *يتعارض مع جوهر الديمقراطية*. فالديمقراطية لا تعني فقط احترام النصوص، بل تعني أيضًا تمكين الأمة من تقرير مصيرها ضمن الأطر الدستورية.
*ثالثاً: الاستفتاء الشعبي بين المشروعية والشرعية.*
*الاستفتاء الشعبي* في القضايا الوطنية الكبرى *يُعد أداة ديمقراطية معتبرة*، لأنه يمنح الكلمة الفصل للمواطنين. لكنه يفقد معناه إذا لم تتوفر شروط النزاهة والشفافية.
المرفوض ليس مبدأ الاستفتاء، *بل تزوير الاقتراع أو توجيه الإرادة الشعبية أو توظيف أدوات الدولة للتأثير* غير المشروع على النتائج. فالانتخابات أو الاستفتاءات التي لا تحترم المعايير الديمقراطية تتحول إلى مجرد إجراءات شكلية تُستخدم لتبرير قرارات مسبقة.
*النزاهة شرط أساسي لشرعية* أي تعديل دستوري. فالإرادة الشعبية يجب أن تكون حرة، واعية، وغير خاضعة للضغط أو التلاعب. وبدون ذلك، يصبح الحديث عن السيادة الشعبية مجرد شعار.
*رابعاً: بين الجمود الدستوري ومتطلبات التطور.*
*الجمود على دستور وُضع قبل عشرين سنة* أو أكثر دون مراجعة قد يؤدي إلى خلل في ملاءمته للواقع الجديد. فالنصوص التي كانت *مناسبة في سياق معين* قد تصبح *غير كافية أو غير فعالة في سياق مختلف*.
غير أن *التعديل* يجب أن يكون *بدافع المصلحة الوطنية العامة،* لا خدمةً لأشخاص أو لظروف سياسية آنية. فالدستور *ليس برنامجًا انتخابيًا ولا أداة ظرفية،* بل إطارًا عامًا *ينظم الحياة السياسية على المدى الطويل*.
التوازن المطلوب هو بين الاستقرار والتجديد:
• الاستقرار يحمي الدولة من التقلبات.
• والتجديد يضمن مواكبة التطورات.
أي إخلال بهذا التوازن، سواء عبر الجمود المفرط أو التعديل المتكرر غير المدروس، قد يضر بالمؤسسات.
*خامساًً: مدة الولاية الرئاسية بين الفعالية والتداول.*
مسألة مدة الولاية الرئاسية تندرج ضمن الخيارات التنظيمية التي تختلف من دولة إلى أخرى. فهناك أنظمة تعتمد أربع سنوات، وأخرى خمسًا أو ستًا، مع قيود على عدد الولايات.
الحجة القائلة إن عشر سنوات قد لا تكفي لإنجاز برنامج رئاسي تستند إلى واقع إداري معقد، حيث أصبحت الإجراءات والدراسات والمشاريع الكبرى تستغرق وقتًا أطول مما كان عليه الحال سابقًا. هذا واقع لا يمكن إنكاره، خاصة في ظل تشابك المصالح وتعقيد المساطر القانونية.
لكن في المقابل، تقوم الفلسفة الديمقراطية على مبدأ التداول السلمي للسلطة، وعلى ضمان المحاسبة الدورية للقيادة السياسية. فإطالة المدد دون ضوابط قد تضعف الرقابة وتزيد من مخاطر تركّز السلطة.
الحل ليس في اختزال النقاش إلى أرقام، بل في بناء منظومة متكاملة تضمن:
• وضوح المدد.
• تحديد عدد الولايات.
• تعزيز دور البرلمان.
• تقوية استقلال القضاء.
• ضمان شفافية الانتخابات.
بهذا فقط يمكن الجمع بين الاستمرارية والرقابة، وبين الفعالية والتداول.
*خاتمة.*
*إن الدفاع عن عدم خرق الدستور هو دفاع عن الدولة القانونية. والدعوة إلى تعديل الدستور عبر الشعب، إذا تم وفق الإجراءات القانونية وبضمانات النزاهة، هو دفاع عن السيادة الشعبية. ورفض تزوير الاقتراع هو شرط أساسي لأي شرعية سياسية.*
*الديمقراطية ليست جمودًا على نصوص، ولا عبثًا بالقواعد وفق المصالح الظرفية. إنها منظومة تقوم على احترام القانون، وتمكين الشعب من التعبير الحر عن إرادته، وضمان التوازن بين الاستقرار والتجديد.*
*فالدستور يجب أن يُحترم، ويجب أن يُطوَّر عند الحاجة، لكن دائمًا بإرادة شعبية حرة، وفي إطار من الشفافية والمشروعية. هنا فقط تلتقي الشرعية القانونية مع الشرعية الديمقراطية، ويصبح التغيير تعبيرًا عن إرادة الأمة لا عن رغبة السلطة*
“”بقلم النائب المهندس احمد جدو ولد الزين .””

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى