أخبار

رئيس الفريق البرلماني المكلف بالهجرة واللاجئين النائب زين العابدين ولد المنير يجري مقابلة صحفية مع مجلةLa Gaceta de Gran Canaria الإسبانية

الأصالة :  في قلب مدينة Las Palmas de Gran Canaria، وتحديدًا في شارع خوسيه ميسا إي لوبيث، وسط صخب العصر الهادئ، التقيت بالنائب الموريتاني  زين العابدين ولد المنير ولد الطلبه . يلفت الانتباه منذ اللحظة الأولى: أناقة رفيعة في الملبس، سلوك راقٍ لا تشوبه شائبة، ونبرة هادئة لكنها حازمة، لا تترك مجالًا للشك في وضوح أفكاره. ويضاف إلى ذلك ابتسامة صادقة وقدرة نادرة على التعامل مع الناس، من ذلك النوع الذي يحوّل أي حديث إلى مساحة مريحة ومحترمة ومليئة بالمصارحة.

زين العابدين منير طلبه هو سياسي ونائب بارز في موريتانيا، معروف بعمله داخل الجمعية الوطنية والتزامه بقضايا العدالة الاجتماعية. يشغل منصب رئيس الفريق البرلماني المكلف بقضايا الهجرة واللاجئين في موريتانيا، كما يعمل قاضيًا احتياطيًا في المحكمة العليا للعدل بموريتانيا بعد انتخابه من قبل الجمعية الوطنية. ويُعرف أيضًا بمبادراته التضامنية ودعمه للفئات الهشة، بما في ذلك توزيع المساعدات في الأحياء الأكثر احتياجًا.

اليوم أحاوره لفهم أفضل، من وجهة نظره، للمرحلة التي تعيشها موريتانيا فيما يتعلق بملف الهجرة.

س: مساء الخير زين، كيف تقيّم الوضعية الحالية للهجرة في موريتانيا؟

ج: تمر موريتانيا حاليًا بمرحلة حاسمة في تحديث سياستها المتعلقة بالهجرة. وتحت قيادة فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني ، وجهت الحكومة جهودها نحو ثلاث أولويات استراتيجية:

الأولى تمثلت في تعزيز الأمن والاستقرار الوطني، من خلال بناء منظومة قادرة على استباق المخاطر، وحماية الحدود، وضمان التماسك الداخلي في سياق إقليمي معقد.

أما الأولوية الثانية فهي الإدارة الفعالة لتدفقات الهجرة، عبر سياسات رقابة وتنسيق مؤسساتي وتعاون دولي يتيح إدارة دقيقة ومستدامة لظاهرة الهجرة.

وفي المرتبة الثالثة، ولكنها لا تقل أهمية، تأتي مسألة خلق فرص العمل للشباب، من خلال جعل التكوين المهني وريادة الأعمال والإدماج المهني محاور أساسية في السياسات العمومية، بهدف تقليل الضغط المرتبط بالهجرة وترسيخ نموذج نمو أكثر شمولًا.

هذه الجهود تسمح لموريتانيا بالانتقال تدريجيًا من بلد عبور إلى بلد استقرار في المنطقة.

كما قدمت بلادنا نموذجًا إنسانيًا مهمًا من خلال استقبال اللاجئين، خصوصًا في مخيم Mbera Refugee Camp، الذي يُعتبر من أكبر مخيمات اللاجئين في إفريقيا. لقد تحملت موريتانيا منذ سنوات مسؤولية كبيرة، وقامت بذلك بروح عالية من الالتزام.

نحن ندرك أن مئات الآلاف من الأشخاص يعيشون في بلادنا بعدما اضطروا لمغادرة أوطانهم بسبب أوضاع قاسية، ولم تدِر موريتانيا ظهرها لهم. وتحت قيادة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، يجري العمل على الإدماج التدريجي للاجئين داخل الأنظمة الوطنية كالتعليم والصحة، مع تعزيز حضور قواتنا المسلحة على الحدود وتحسين التنسيق مع شركائنا الدوليين لضمان الأمن.

س: كيف تقيّمون دور إسبانيا، وخاصة جزر الكناري؟

ج: يمكن تقييم دور إسبانيا، وخاصة جزر الكناري، بشكل إيجابي جدًا من منظور إنساني فيما يتعلق بإدارة تدفقات الهجرة.

لقد أصبحت جزر الكناري إحدى أهم نقاط الوصول في مسار الهجرة عبر الأطلسي، وهو ما شكّل تحديًا لوجستيًا واجتماعيًا كبيرًا. وفي هذا السياق، بذلت إسبانيا جهودًا كبيرة في عمليات الإنقاذ البحري والاستقبال والرعاية الفورية للمهاجرين، واضعة حماية الأرواح البشرية فوق أي اعتبارات أخرى.

كما نثمّن عمل المؤسسات وخدمات الطوارئ في الجزر، التي تعمل في ظروف معقدة لضمان الاستجابة لوصول القوارب المعرضة للخطر. ورغم التحديات التي تطرحها الهجرة عبر الأطلسي، فإن الأداء الإسباني يتميز بنهجه الإنساني والتزامه بالحقوق الأساسية للمهاجرين.

س: ما موقفكم من الهجرة غير النظامية؟

ج: أرفض الهجرة غير النظامية لأنها تعرض حياة وأمن الأشخاص لمخاطر جسيمة، خاصة عندما تتم في ظروف هشة وخطيرة.

كما أنها تعزز شبكات الاتجار بالبشر والاستغلال، التي تستفيد من هشاشة المهاجرين. إضافة إلى ذلك، فإنها قد تخلق صعوبات في إدارة ومراقبة تدفقات الهجرة، بما يؤثر على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والإداري للدول المستقبلة.

هذا الأمر يثير قلقنا في موريتانيا، كما يثير قلق شركائنا في إسبانيا. لكن لا يكفي فقط منع الهجرة غير النظامية، بل يجب أيضًا تعزيز آليات الهجرة النظامية وفتح مسارات قانونية وآمنة وواضحة تتيح للأشخاص التنقل بشكل منظم، مع ضمان حقوقهم وتسهيل الإدارة الجيدة للهجرة من طرف الدول.

س: كيف يمكن تشجيع الهجرة النظامية؟

ج: تمثل الهجرة النظامية الحل الأكثر واقعية وإنسانية واستدامة لمواجهة تحديات الهجرة الحالية. فهي تضمن تنقلًا أكثر أمانًا وتنظيمًا، وتحمي حقوق المهاجرين، وتُسهم في اندماج أفضل داخل مجتمعات الاستقبال.

لكن لكي ينجح هذا النموذج، يجب أن تكون أنظمة الهجرة:

* متاحة للجميع دون عراقيل مفرطة،
* شفافة بقوانين وإجراءات واضحة،
* وعادلة، بما يضمن التوازن بين احتياجات الدول واحترام كرامة وحقوق المهاجرين.

اليوم هناك عدد كبير من الشباب الذين يستوفون الشروط، لكنهم يواجهون صعوبات حتى في الحصول على موعد لتقديم الطلبات، ما يولد الإحباط وقد يدفع البعض نحو الخيارات غير النظامية.

س: ما الذي يمكن تحسينه في هذا الإطار؟

ج: نُقدّر الجهود التي تبذلها إسبانيا لتنظيم وإدارة طلبات التأشيرة. لكن عمليًا، فإن حجم الطلب الحالي أكبر بكثير من القدرة المتاحة.

حاليًا لا يتجاوز عدد المواعيد اليومية تقريبًا 50 موعدًا، ومع احتساب أيام العطل والحجم السنوي للطلبات، يتضح أن عددًا كبيرًا من الأشخاص المؤهلين لا يتمكنون أصلًا من الوصول إلى فرصة تقديم ملفاتهم.

المشكلة الأساسية ليست بالضرورة في قبول أو رفض الطلبات، بل في الوصول إلى الإجراء نفسه. فالكثير ممن يريدون اتباع الطرق القانونية يُمنعون منذ البداية من مجرد تقديم طلباتهم.

هذه الوضعية تعيق الهجرة المنظمة، وتُظهر الحاجة إلى تعزيز آليات الولوج حتى تصبح المسارات القانونية فعالة ومتاحة فعلًا.

ومن الناحية العملية، نرى ضرورة تعزيز الموارد البشرية داخل القنصليات لتحسين معالجة الطلبات والاستجابة لحجم الطلب المرتفع. وقد يكون من المفيد دراسة رفع عدد المواعيد إلى نحو 200 موعد يوميًا، بشكل يتناسب مع حجم الطلب، حتى يتمكن عدد أكبر من الأشخاص من الوصول إلى المساطر القانونية الخاصة بطلبات التأشيرة.

ومن المهم توضيح أن المطلوب ليس تسهيل منح التأشيرات، بل توسيع فرصة تقديم الطلبات مع الحفاظ على نفس المعايير.

س: نعلم أن موريتانيا تحاول توعية الشباب عبر حملات تُظهر حقيقة الهجرة غير النظامية. كيف تتم إدارة هذا الملف؟

ج: لا يمكن للدول وحدها إدارة ظاهرة معقدة مثل الهجرة، ولذلك فإن دور المنظمات العاملة في هذا المجال أساسي.

في موريتانيا لدينا Observatorio del Sahel، الذي يؤدي دورًا محوريًا في المتابعة والتحليل وفهم ديناميكيات الهجرة.

ومن هذا المنطلق، نرى ضرورة دعم وتعزيز قدرات هذه المنظمات حتى تتمكن من تنفيذ حملات توعية واسعة، خاصة تجاه الشباب، بهدف تعريفهم بمخاطر الهجرة غير النظامية وإبراز الفرص المتاحة عبر المسارات القانونية.

التوعية عنصر أساسي في إدارة هذه الظاهرة، إلى جانب الإجراءات الأمنية بطبيعة الحال.

س: ما رسالتكم إلى إسبانيا والاتحاد الأوروبي؟

ج: نؤمن بأن مسؤولية إدارة الهجرة مسؤولية مشتركة.

وقد لعبت موريتانيا دورًا مهمًا في حماية الحدود وتنظيم تدفقات الهجرة واستقبال اللاجئين. لكن المرحلة القادمة يجب أن تتجه نحو تسهيل مسارات الهجرة القانونية، ودعم التنمية، وتعزيز قدرات الفاعلين الميدانيين، بهدف تحقيق إدارة أكثر توازنًا وفعالية واستدامة لظاهرة الهجرة.

س: ماذا تقولون للشباب؟
ج: أتفهم دوافع الشباب، لكن من المهم التأكيد أن الطريق غير النظامي يحمل مخاطر جسيمة على الحياة والأمن.

لذلك يجب أن تكون الرسالة واضحة: من الأفضل اختيار الطرق القانونية والآمنة للهجرة، لأنها توفر إطار حماية وضمانات أكبر.

كما يجب عدم السماح لليأس أو غياب الفرص الآنية بدفع الشباب لاتخاذ قرارات قد تعرض حياتهم للخطر.

س: كلمة أخيرة حول هذه الظاهرة؟

ج: الهجرة في حد ذاتها ليست المشكلة، بل طريقة إدارتها.

المطلوب ليس محاربة الهجرة، بل محاربة الفوضى المرتبطة بها عبر تنظيم أفضل للتدفقات.

والحل يكمن في مواصلة تعزيز الإطار المؤسساتي، وتسهيل المسارات القانونية والآمنة، وتقوية حملات التوعية، حتى تتم الهجرة بشكل منظم وآمن ويحترم حقوق الإنسان.

س: قبل إنهاء المقابلة، نود تغيير الموضوع قليلًا وسماع رأيكم حول العلاقات بين موريتانيا وجزر الكناري. على المستوى الدبلوماسي والاقتصادي، تبدو العلاقات في نمو متواصل. ما رأيكم؟

ج: عززت موريتانيا وجزر الكناري خلال السنوات الأخيرة علاقة استراتيجية قائمة على الاحترام المتبادل والتعاون المتزايد.

اليوم نعمل بشكل منسق في مجالات أساسية مثل الاقتصاد والطاقة والتكوين والأمن البحري، لأننا ندرك أن تحدياتنا مشتركة.

إدارة طريق الأطلسي تتطلب مسؤولية وحوارًا، وقد أثبتت موريتانيا أنها شريك جاد وملتزم.

ولهذا يجب أن نتقدم نحو تسريع إجراءات التأشيرات، وتحسين الربط، وفتح فرص جديدة أمام شركاتنا ومجتمعاتنا.

العلاقة بين الكناري وموريتانيا ليست فقط علاقة قرب جغرافي، بل هي علاقة أساسية لاستقرار وتنمية كامل المنطقة الأطلسية.

س: وأخيرًا، كيف تقيّمون اندماج الجالية الموريتانية في لاس بالماس؟

ج: أقدّر كثيرًا مستوى اندماج مواطنينا في لاس بالماس دي غران كناريا، حيث يعيش الموريتانيون المقيمون بشكل قانوني في ظروف من الاحترام والرفاه المتبادل، مع إمكانية الاندماج والمساهمة الفعالة في المجتمع.

وتُعد لاس بالماس، وجزر الكناري عمومًا، نموذجًا للتعايش والاحترام والاندماج.

وكل ذلك يعكس جودة العلاقة بين البلدين وقيمة التعاون المبني على الثقة. ومع ذلك، من المهم الإشارة إلى أن هذا النموذج الإيجابي مرتبط بشكل وثيق بالهجرة النظامية واحترام القوانين، وهما عنصران أساسيان لضمان الاندماج

من إعداد الصحفية Noelia C. del Toro،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى