
الأصالة: نحو شراكة عربية–صينية قائمة على التنفيذ والمنفعة المتبادلة,
لم تعد العلاقة مع الصين مجرّد عنوان دبلوماسي أو حضور بروتوكولي في المنتديات الدولية، بل باتت اليوم اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول العربية على تحويل الفرص الدولية إلى مكاسب وطنية ملموسة.
وقد جاءت الزيارة الأخيرة إلى جمهورية الصين الشعبية لتضع هذا السؤال في صلب النقاش: ماذا بعد الزيارة؟
فالرهان لم يعد على حسن الاستقبال أو كثافة اللقاءات،
بل على ما يمكن أن يترتب عنها من خطوات عملية تؤسس لشراكة فعلية تتجاوز المجاملات. ما ميّز هذه الزيارة، إلى جانب مستوى التنظيم وعمق النقاشات، هو وضوح المقاربة الصينية التي تميل بطبيعتها إلى العمل الهادئ طويل المدى، بعيدًا عن الوعود الفضفاضة. فقد لمس الوفد العربي استعدادًا صينيًا حقيقيًا للتعاون، لكنه استعداد مشروط بوجود رؤية عربية واضحة، ومشاريع محددة، وآليات تنفيذ دقيقة. فالصين لا تبحث عن شركاء خطابيّين، بل عن شركاء يعرفون ماذا يريدون، ومتى، وكيف يمكن تحويل التفاهمات إلى نتائج قابلة للقياس.
وتُظهر التجربة أن الخلل في العلاقات العربية–الصينية لا يكمن في غياب الفرص، بل في ضعف القدرة على ترجمتها. فالعالم العربي يمتلك سوقًا واسعة، وموقعًا جغرافيًا فريدًا، وموارد طبيعية وبشرية متنوعة، غير أن الاستفادة من هذه العناصر تظل محدودة ما لم تُقدَّم في إطار مشاريع متكاملة، بدل الاكتفاء بمطالب عامة أو مقاربات ظرفية. فالمرحلة القادمة تفرض انتقالًا واضحًا من طلب الاستثمار إلى تصميم الاستثمار، ومن الشكوى من العجز التجاري إلى بناء سلاسل قيمة مشتركة، ومن التعاون المؤقت إلى شراكات مؤسسية مستقرة.
ومن أهم الدروس التي برزت خلال اللقاءات في الصين أن القيمة الحقيقية للشراكة لا تكمن في التمويل وحده، بل في نقل النموذج. فالصين لا تصدّر الأموال فقط، بل تصدّر خبرتها في التخطيط، وبناء الصناعة، والربط العضوي بين التعليم والاقتصاد، وهو ما يجعل الرهان الحقيقي عربيًا منصبًا على توطين التكنولوجيا، وتأهيل الكفاءات، وبناء صناعات محلية قادرة على المنافسة والتصدير، بدل الاكتفاء بمشاريع بنية تحتية معزولة عن النسيج الاقتصادي الوطني.
وعلى المستوى الوطني، تمثل الصين شريكًا قادرًا على مرافقة التحول الاقتصادي إذا ما توفرت شروط أساسية، في مقدمتها وضوح الأولويات الوطنية، وجاهزية المشاريع القابلة للتنفيذ، ووجود مؤسسات متابعة قوية قادرة على ضمان الاستمرارية.
فالزيارة فتحت الباب، لكنها لا تعني عبورًا تلقائيًا،
إذ إن العبور الحقيقي يتطلب قرارات سياسية واضحة، وتنسيقًا مؤسسيًا فعالًا، ونَفَسًا طويلًا في المتابعة والتنفيذ.
وفي المحصلة، لا يُقاس نجاح الزيارة بعدد الصور ولا بعدد اللقاءات،
بل بقدرتنا على تحويلها إلى استثمارات منتجة، ومصانع، وفرص عمل، ونقل معرفة حقيقي.
لقد قدّمت الصين نموذجًا عمليًا لمن يريد أن يتعلّم ويُنفّذ، والكرة اليوم في الملعب العربي: إمّا شراكة تنفيذية حقيقية قائمة على المنفعة المتبادلة، أو فرصة أخرى تُضاف إلى أرشيف الزيارات دون أثر مستدام.
محمد المختار احمدناه



